الطبراني
276
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وعن ابن عبّاس أنه قال في هذه الآية : ( وذلك أنّه لمّا قتل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سبعين وأسروا سبعين ، استشار النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه في أمر الأسارى ، فقال أبو بكر رضي اللّه عنه : يا رسول اللّه هم قومك ، فإن تقتلهم يدخلوا النّار ، ولكن فادهم فيكون الّذي تأخذ منهم قوّة للمسلمين ، ولعلّ اللّه يقلّب قلوبهم . وقال عمر : يا رسول اللّه ما أعلم قوما كانوا أشرّ لنبيّهم منهم فاقتلهم . فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم برأي أبي بكر ، ثمّ ضرب لهما مثلا فقال : [ مثل أبي بكر مثل إبراهيم عليه السّلام حيث قال فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 1 » ، ومثل عمر مثل نوح عليه السّلام حيث قال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً « 2 » ] ثمّ ضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الفداء على الأسارى . فلمّا كان من الغد أنزل اللّه هذه الآية ( ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ . . . ) إلى آخر الآيتين ، قال عمر : فدخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعنده أبو بكر يبكيان ، فقلت : ما يبكيكما ؟ ! حتّى الأرض إن وجدت بكاء لبكائكما بكت معكما ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ إنّما أبكي للّذي عرض عليّ أصحابك من أخذ الفداء ] ، ثمّ قرأ عليه السّلام ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى ) « 3 » . وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال : ( لمّا جيء بالأسارى يوم بدر قال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ ما تقولون في هؤلاء ؟ ] فقال أبو بكر : قومك وأهلك استبقهم لعلّ اللّه يتوب عليهم ، وخذ منهم فدية تكون لنا قوّة على الكفّار . وقال عمر : يا رسول اللّه كذبوك وأخرجوك ، قدّمهم واضرب أعناقهم ، ومكّن عليّا من عقيل فيضرب عنقه ، ومكّنّي من فلان - بسبب له - فأضرب عنقه ، فإنّ هؤلاء أئمّة الكفر . فسكت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال أناس : نأخذ بقول أبي بكر ، وقال ناس : نأخذ بقول عمر ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ إنّ اللّه ليليّن قلوب رجال حتّى تكون ألين من اللّبن ، وإنّ اللّه ليشدّ قلوب رجال حتّى تكون أشدّ من الحجارة ، وإنّ مثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ
--> ( 1 ) إبراهيم / 36 . ( 2 ) نوح / 26 . ( 3 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الحديث ( 12655 و 12656 ) . وابن أبي حاتم في التفسير : الحديث ( 9150 9151 ) .